أ/ عمر النعاس - عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور 9/ مارس/ 2026
أوراق دستورية الأساليب الديمقراطية الحديثة لصناعة الدساتير وأساليب نهايتها ( مقارنة بالمسار الدستوري الليبي)
الورقة الأولى – صناعة الدساتير
الدستور هو أساس الدولة وضمان سيادتها وضمان سيادة المواطن وحريته وكرامته وهو الأداة الحاسمة للاستقرار المؤسسي في الدولة. والدساتير الحقيقية تظهر في لحظة فارقة من عدم الاستقرار والتي تعرف باللحظة الدستورية حيث تكون الحاجة الماسة للدستور نظرا لزعزعة الاستقرار ووقوع الدولة في فوضى سياسية عارمة نتيجة لانتفاضات شعبية أو غيرها، والتي تظهر آثارها إما بسقوط نظام الحكم القائم أو بتوقع انهياره قريبا. وتظهر الحاجة للدستور بشكل جلي إما لتفادي وقوع البلاد في أزمة دستورية أو للخروج بالبلاد من وقوعها في أزمة. فالدستور وهو القانون الذي يحكم السلطات العامة في الدولة وينظّم عملها وتكون الدولة وجميع سلطاتها خاضعة للدستور، والدستور هو حامي الحقوق والحريات العامة من عسف السلطة وهو القيد المفروض على السلطة في مواجهة الأفراد.
ويتفق الفقه الدستوري على أن الآلية الديمقراطية الحديثة لصناعة الدساتير تتمثل في أسلوبين هما:
الأسلوب الأول – أسلوب الجمعية الوطنية التأسيسية (هيئة منتخبة من الشعب):
تقوم السلطة الحاكمة المؤقتة بالعمل على أن ينتخب الشعب جمعية وطنية (هيئة تأسيسية) تحوز على ثقته ويخوّلها كافة السلطات من أجل وضع الدستور الدائم للبلاد دون وجوب الاستفتاء عليه من الشعب.
وهذا الأسلوب تم اتباعه مؤخراً في تونس: حيث انتخب الشعب التونسي سنة 2011 (المجلس الوطني التأسيسي) الذي أصدر الدستور التونسي سنة 2014 وأصبح دستورا نافذاً دون استفتاء الشعب.
كما أن هذا الاسلوب تم تطبيقه في جنوب أفريقيا حيث تم انتخاب (الجمعية الوطنية) وفق الدستور المؤقت سنة 1993، وقامت الجمعية بإصدار الدستور سنة 1996 دون استفتاء شعب جنوب أفريقيا.
الأسلوب الثاني – أسلوب الاستفتاء الدستوري (لجنة تختارها السلطة الحاكمة):
وفق هذا الأسلوب، تقوم السلطة الحاكمة المؤقتة بإنشاء ( لجنة الدستور أو الهيئة) ويتم تعيين أعضاء اللجنة أو اختيارهم من قبل السلطة الحاكمة. وتقوم اللجنة بكتابة مشروع دستور ليتم طرحه على الشعب للاستفتاء عليه، وتكون الموافقة عليه حسب الأغلبية المطلوبة ليصبح دستوراً نافذا. وهذا الأسلوب تم العمل به في مصر بإصدار الدستوري المصري لسنة 2014م حيث قام الرئيس المؤقت سنة 2013 بتعيين لجنة العشرة ثم لجنة الخمسين لتعديل دستور 2012 وصياغة مشروع دستور جديد. وبعد ذلك تم طرح مشروع الدستور على الشعب المصري للاستفتاء عليه، وقد تمت الموافقة على مشروع الدستور بأغلبية الأصوات الصحيحة للمقترعين وأصبح دستوراً نافذاً.
أسلوب صناعة الدستور الليبي وفق الإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 3 أغسطس 2011 وتعديلاته:
هو أسلوب جديد في صناعة الدساتير ويدمج بين الاسلوبين، ووفقاً لهذا الأسلوب، فإن الشعب الليبي انتخب هيئة تأسيسية لصياغة مشروع الدستور وتسمّى كما وردت في الإعلان الدستوري لسنة 2011م وتعديلاته: (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور)، وهي وحدها المختصة بصياغة (مشروع دستور دائم) يطرح للشعب الليبي للاستفتاء عليه بــ(نعم) أم (لا)، حيث أن الهيئة التأسيسية منتخبة انتخابا حراّ مباشراً من الشعب الليبي من كل أنحاء ليبيا، ولأنها مقيّدة بالإعلان الدستوري بإصدار مشروع دستور بأغلبية (الثلثين زائد واحد)، فإن الهيئة التزمت بالنص الدستوري وأقرّت مشروع الدستور بتاريخ 2017/7/29 بمقرها بمدينة البيضاء بالتصويت العلني المباشر وبأغلبية دستورية صحيحة ومعزّزة بموافقة (43 عضو من كل المناطق والدوائر الانتخابية بالبلاد) وبنسبة 98% من الأعضاء الحاضرين وعددهم (44 عضوا)، وبنسبة تزيد عن 75% من إجمالي الأعضاء الفعليين وعددهم (57 عضوا). وإضافة إلى موافقة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور المنتخبة من الشعب الليبي، أوجب الإعلان الدستوري أن يتم الاستفتاء على مشروع الدستور من الشعب بأغلبية ثلثي المقترعين في البلاد، إضافة إلى وجوب الحصول على نسبة (50% + 1) في كل منطقة انتخابية من المناطق الانتخابية الثلاث استنادا إلى التعديل الدستوري العاشر لسنة 2018.
خلاصة الورقة الأولى:
أسلوب صناعة الدستور الليبي وما يتضمنه من ضوابط هو أسلوب فريد من نوعه ولم تتضمنه كتب الفقه الدستوري ونظريات صناعة الدساتير، كما لم يعمل بمثل هذا الأسلوب في أي من الأنظمة الدستورية المقارنة، وإن نجاح التجربة الدستورية الليبية بكل تأكيد ستكون محل دراسة وتقييم من فقهاء الدستور والنظم الدستورية في العالم، وذلك بإخضاع هذه التجربة الدستورية الفريدة للدراسة للتعرف على آثارها ومدى الإيجابيات والسلبيات التي قد تنتج عنها.
وفي رأيي، ورغم آلية الاستفتاء المعقدة الواردة في التعديل الدستوري العاشر وما تضمنه القانون رقم 6 لسنة 2018 بشأن الاستفتاء على مشروع الدستور، إلا أنني أرى وجوب طرح مشروع الدستور للاستفتاء لمعرفة مدى تقييم الشعب الليبي لعمل الهيئة التأسيسية وتمكين الشعب من قول كلمته بكل حرية سواء بالقبول أو الرفض
الورقة الثانية – نهاية الدساتير
يجمع فقهاء القانون الدستوري على أن الدساتير تنتهي بأحد الأسلوبين: (1)
الأسلوب الأول- أسلوب السلطة التأسيسية: هذا هو الأسلوب العادي لإنهاء الدساتير ويكون إما بواسطة هيئة خصّها الدستور بإجراء تعديل دستوري، أو بواسطة هيئة منتخبة من الشعب لوضع دستور جديد وإلغاء الدستور القديم)(2).
وهذا الأسلوب يكون في ظروف تكون المؤسسات الدستورية قائمة والدولة في حالة استقرار سياسي، والدستور قائم وهو الذي ينص على آلية تعديل أي نصوص دستورية مثل ما ورد في دستور 1951 في المادة 198 والتي نصت على آلية التعديل مما أدى إلى إصدار التعديل الدستوري سنة 1962، أو ربما ينص الدستور على تغيير شكل الحكم مثل ما ورد في المادة 199 من دستور 1951 مما أدى الاستناد أليها إلى صدور التعديل الدستوري سنة 1963، أو أن يتضمن الدستور ما ينص على إصدار دستور جديد للبلاد مثل ما ورد في الدستور المؤقت لجنوب أفريقيا الصادر سنة 1993 والذي أسس لنظام جديد وبموجبه تم صدور دستور جنوب افريقيا الدائم سنة 1996.
الأسلوب الثاني- أسلوب الثورة أو الانقلاب:
1/ د/عبدالحميد متولي في كتابه (القانون الدستوري والأنظمة السياسية) (3):
يقول: “إن كان الأسلوب الأول هو الطريقة العادية لإجراء تعديل الدستور أو إلغائه، إلا أن طريقة الثورة أو الانقلاب تلعب دور رئيسي في الحياة العملية لقيام الدول وتأسيسها”.
ويقول: ” يرى بعض رجال الفقه والفكر أن الحركة الثورية تعد ثورة إذا قام بها الشعب وتعد انقلابا إذا قامت بها إحدى هيئات الدولة ( رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو الجيش) ، ويرى أساتذة الفقه الدستوري الفرنسي أنه يجب البحث عن هدف الحركة الثورية وليس مصدرها”.
ويقول: “فإذا كان الهدف هو تغيير النظام السياسي ( أي تغيير نظام الحكم مثلا من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، أو من نظام رئاسي إلى برلماني) ، أو تغيير النظام الاجتماعي مثلا من ( رأسمالي إلى شيوعي او اشتراكي)، فإن الحركة الثورية تعد ثورة مثل: (الثورة الفرنسية سنة 1789 والثورة الاسبانية سنة 1931) “.
ويقول أيضاً: “ولتقدير مدى أهمية هذا الأسلوب ، نلاحظ ان جميع الدساتير الفرنسية وعددها 16 دستورا منذ الثورة الفرنسية قد سقطت بهذه الطريقة (الثورة او الانقلاب). وفي مصر الغي دستور 1923 مرتين بهذا الأسلوب (سنة 1930 على يد حكومة صدقي باشا ، وسنة 1952 بعد ثورة يوليو). كما أن دساتير كثير من دول أمريكا الجنوبية وافريقيا تم الغائها بذات الأسلوب عن طريق (الثورة أو الانقلاب)، وايضا الغاء أغلب الدساتير الأوروبية عقب الحرب العالمية الأولى كما حدث في (بولندا واسبانيا وفي دول البلقان) “.
2/ د/حسن مصطفى البحري في كتابه (القانون الدستوري- النظرية العامة)،(4):
يقول: “وإذا كان الأسلوب العادي أو الطبيعي هو الأسلوب القانوني لإلغاء الدساتير، فإن الأسلوب الثوري أو الفعلي هو الأسلوب الأوسع انتشاراً، فقد لعبت الحركات الثورية – سواء تمثّلت في ثورات أو انقلابات- دوراً بارزاً وملحوظاً في اسقاط العديد من الدساتير في دول عالمنا المعاصر. وإذا أخذنا سورية كمثال على صحة هذا القول لوجدنا أن معظم الدساتير السورية قد سقطت بهذا الأسلوب الثوري، أي في أعقاب اندلاع ثورة أو حدوث انقلاب”.
ويقول د/حسن مصطفى البحري: “جاء في الموسوعة السياسية أن معظم المفكرين المعاصرين يستخدمون اصطلاح “الثورة” للدلالة على تغييرات فجائية وجذرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية..، أو تغييرات ذات طابع جذري (راديكالي) غير سياسية”(5).
حول النتائج القانونية للحركة الثورية ( ثورة أو انقلاب) ،
1/ د/عبدالحميد متولي :
يقول: “من المبادئ المقررة لدى رجال الفقه الدستوري الفرنسي أنه بمجرد انتصار الثورة (أو الانقلاب) التي تقوم ضد نظام الحكم فإن الدستور يسقط فوراً من تلقاء ذاته أي دون حاجة إلى تشريع ما يقرّر ذلك السقوط”(6).
2/ د/حسن مصطفى البحري:
يقول: “ذهب غالبية الفقه الدستوري إلى أن الدستور القائم يسقط فوراً من تلقاء نفسه بمجرد نجاح الثورة أو الانقلاب، أي دون أن تكون هناك حاجة لإعلان هذا السقوط أو النص عليه”(7).
كما اتفق جمهور رجال الفقه الدستوري على أن سقوط الدساتير لا يعني انتهاء العمل بالقوانين الصادرة بموجبها، كما أن النصوص الدستورية الشكلية والتي لا علاقة لها بنظام الحكم تبقى سارية المفعول كقوانين عادية(8).
3/ د-صلاح الدين فوزي في مؤلفه (المحيط في النظم السياسية والقانون الدستوري) (9)
يقول: “إن الثورة تستهدف التغيير الشامل للنظام السياسي القائم، وهذا من شأنه أن ينال من النظام الدستوري المعمول به”. ويقول أيضا: ” الثورة حركة شعبية في حين أن الانقلاب يعد مجرد حركة عسكرية يقوم به مجموعة من العسكريين أو السياسيين بمناصرة بعض العسكريين. ولكن قد تنقلب الثورة إلى انقلاب إذا استهدفت فقط مجرد الاستيلاء على الحكم، وكذلك قد يصبح الانقلاب ثورة إذا سانده جموع الشعب ولم يكن فقط للاستيلاء على السلطة بل كذلك تغيير النظام السياسي..”.
آلية انتهاء العمل بالدستور الليبي الصادر سنة 1951:
إضافة إلى ما سبق توضيحه حول اتجاه الفقهاء من أساليب انتهاء الدساتير، حيث تم تطبيق الأسلوب العادي لإجراء تعديلات دستورية سنة 1962، وسنة 1963، إلا إنني أشير إلى آلية الأسلوب الثاني ( الثورة أو الانقلاب) وفق ما جاء في البيان الصادر في 1/ 9/ 1969 الذي تضمّن إلغاء جميع المؤسسات الدستورية هو دلالة واضحة على الغاء العمل بالدستور، كما أنه يجب ألا يفوتنا الإشارة إلى الإعلان الدستوري الصادر يوم 11 ديسمبر 1969 والمنشور بمجلة المحكمة العليا السنة السادسة (العدد الأول والثاني والثالث) – شهر ابريل 1970. (ص17- 23) ، حيث نصت المادة (1) من الإعلان الدستوري على تغيير شكل ونظام الحكم. ونصت المادة (33) على: ” يلغى النظام الدستوري المقرر في الدستور الصادر في 7 اكتوبر 1951م وتعديلاته مع ما يترتب على ذلك من آثار”. كما جاء نص المادة (37) كالتالي: “يبقى هذا الإعلان الدستوري نافذ المفعول حتى يتم اصدار الدستور الدائم،…”.
واستند في هذه الورقة إلى أحكام القضاء الليبي بخصوص انتهاء الدستور الليبي الصادر سنة 1951:
أولاً- المحكمة العليا :
1/ حكم المحكمة العليا في الطعن الدستوري رقم 1/ 12 ق. في الجلسة بتاريخ 11 يناير 1970 (10)
تقول المحكمة في ص 42: “..ومن حيث أنه أثناء حجز القضية للحكم جد جديد في هذا الشأن وذلك أن مجلس قيادة الثورة اصدر في 2 من شوال سنة 1389 الموافق 11 من ديسمبر 1969 إعلانا دستوريا ليكون أساسا لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية وحتى يتم اعداد دستور دائم. وقد نصت المادة 33 منه على (يلغى النظام الدستوري المقرر في الدستور الصادر في أكتوبر سنة 1951 وتعديلاته وما يترتب على ذلك من آثار)..”.
وهذا يعتبر حكم تقريري من المحكمة العليا بإلغاء الدستور واعتبار الاعلان الدستوري هو الدستور المؤقت للبلاد وهو أساس نظام الحكم إلى حين اعداد الدستور الدائم.
2/ حكم المحكمة العليا في الطعن دستوري رقم 4 / 14ق . بتاريخ 14. 6. 1970
تقول المحكمة: “… أخذ الدستور الملغى بنظرية الفصل بين السلطات الثلاث. ونص على ان السلطة القضائية تتولاها المحكمة العليا والمحاكم الاخرى م 43 ونص في المادة 145 على مبدأ استقلال القضاة وعدم قابليتهم للعزل على الوجه المبين بالقانون. والعبارة الاخيرة من المادة تفويض للسلطة التشريعية بتنظيم المبدأ لا بإهداره فليس مشروعا اذا وغير دستوري ان تصدر السلطة التنفيذية مرسوما بقانون يهدر استقلال القضاء وحصانات رجاله او يخضع القاضي اذا ما بدا منه كبشر ما يستحق المؤاخذة الى غير السلطة القضائية متمثلة في مجلس القضاء الاعلى. ولذا نص قانون نظام القضاء على أن لا يعين ولا يرقى ولا ينقل القاضي من محكمة الى اخرى الا بموافقة مجلس القضاء الاعلى ولا يحاسب على الصغيرة والكبيرة الا بواسطة مجلس القضاء…”.
وفي هذا الحكم أفصحت المحكمة صراحة عن أن دستور 1951 هو الدستور الملغي.
ثانياً- حكم محكمة استئناف البيضاء (الدائرة المدنية) في حكمها بشأن نهاية الدساتير:
في الطعن المدني (2016/5) وفي جلستها المنعقدة يوم 16/ 11/ 2016م تقول المحكمة في أسباب حكمها: ((…كما ينتهي الدستور بالأسلوب العادي المنصوص عليه فيه فإن الدساتير قد تنتهي بأسلوب غير عادي فالثورات والانقلابات لعبت دورا كبيرا في وقف العمل بعدد لا يستهان به من الدساتير وعلى سبيل المثال معظم الدساتير الفرنسية منذ عصر الثورة بلغت خمسة عشر دستورا سقطت عن طريق الثورة والانقلاب ومن بينها دستور 1791م ودستور السنة الثالثة والثامنة للثورة ودستور سنة 1814م ودستور سنة 1830 ودستور سنة 1848 ودستور سنة 1852. وبذات الاسلوب جرى الغاء الدستور المصري سنة 1930 والقانون الاساسي العراقي سنة 1925 ودستور سنة 1958 ودستور سنة 1963 والدستور السوري سنة 1928 والدستور السوداني سنة 1973 ويعد الدستور الليبي لعام 1951م المعدل في 1963 دستورا قد تعطل واسقط بفعل ثورة او انقلاب 1969 وبفعل ثورة 17 فبراير 2011ف فيما بعد. ويذهب الرأي الغالب في الفقه الى ان نجاح الثورة يؤدي الى سقوط الدستور تلقائيا لأن الغاية من الثورة الانقضاض على نظام الحكم وتقويض اسسه السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستبدالها بغيرها…)).
وتقول المحكمة: (( وعلى ذلك فإن المحكمة تجد أن الدستور الليبي لعام 1951م المعدل عام 1963م قد سقط بفعل الثورة تلقائيا ودون حاجة لتدخل آخر )).
وتقول المحكمة : (( ثانيا: وحيث أن الاعلان الدستوري النافذ والصادر عن المجلس الانتقالي عام 2011 نص في المادة الثلاثين على اختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع الدستور، ويطرح للاستفتاء عليه بنعم أو لا وهذا يعني صراحة الغاء الدستور السابق وأن تكليف هيئة جديدة لصياغة مشروع الدستور يعني ضمنيا الغاء الدستور السابق)).
وتقول المحكمة: (( وحيث حاصل ما ينعاه المستأنفين بصحيفة الاستئناف أن الحكم المستأنف قد جاء مخالفا للقانون لأنه اعتمد على نص م 34 من الاعلان الدستوري بتاريخ 3 . 8 . 2011 برفض ثبوت عدم سقوط دستور المملكة استنادا على أنه تلغى الوثائق والقوانين ذات الطبيعة الدستورية المعمول بها قبل العمل بهذا الاعلان واعتبر المستأنفين أن المقصود بالإلغاء في هذه المادة إعلان سلطة الشعب والوثيقة الخضراء وقانون تعزيز الحرية رقم 20لسنة 1991 ، وحيث ان هذه المحكمة ترى أن هذا النظر في غير محله ذلك أن المقصود بالوثائق الدستورية في نص م 34 هو الدستور، لأن الدستور هو عبارة عن وثيقة مكتوبة وعليه ينصرف الالغاء إلى الدستور السابق وهو دستور المملكة لإلغائه بنص م 34 من الإعلان الدستوري. ولما كان ذلك فقد استقر في وجدان المحكمة وعقيدتها أن الدستور الليبي الصادر عام 1951م وعلى وجاهته ورفعته قد ألغي للأسباب التي ساقتها هذه المحكمة وهو ما يكون معه طلب المستأنفين خليقا بالرفض)).
خلاصة الورقة الثانية:
1/ إن آراء الفقه الدستوري، وأحكام القضاء الليبي تؤكد إلغاء دستور 1951م المعدّل سنة 1963.
2/ إن الشعب الليبي انتخب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ومهمتها صياغة مشروع الدستور الدائم للبلاد، حيث يطرح على الشعب للاستفتاء عليه بالقبول أو الرفض، وتكليف هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد يعني ضمنيا إلغاء الدستور السابق ( دستور 1951 وتعديلاته).
3/ إن الهيئة التأسيسية اتخذت من دستور 1951 مرجعاً أساسياً ، وأقرّت مشروع الدستور عن طريق التصويت الحرّ العلني المباشر يوم 2017/7/29 بمقر الهيئة التأسيسية بمدينة البيضاء وبأغلبية دستورية صحيحة ومعزّزة بلغت (43 عضوا من أصل 44 عضوا حاضرين وبنسبة 98% ) ومن كل الدوائر الانتخابية في البلاد.
4/ إن الشعب الليبي هو صاحب الحق وصاحب الكلمة، وهو صاحب السلطة التأسيسية ومصدر كل السلطات، ومن خلال الاستفتاء يقول الشعب الليبي كلمته الفاصلة في الدستور ووضع بصمته النهائية إما بــ(نعم) أو (لا)، وأن مشروع الدستور جاهز منذ ما يزيد على ثمان سنوات لسماع كلمة الشعب فيه من خلال الاستفتاء.
5/ بحكم أن الهيئة التأسيسية منتخبة من الشعب الليبي وأقرّت مشروع الدستور بجلستها يوم 29 يوليو 2017 بمقرها بمدينة البيضاء وفق أغلبية دستورية صحيحة ومعززة، وللخروج من المرحلة الانتقالية التي طال أمدها، يكون من الأنسب أن تتظافر الجهود من أجل اعتماد مشروع الدستور كدستور نافذ لمدة خمس سنوات وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق أحكام الدستور، وخلال مرحلة الاستقرار الدستوري ووجود مؤسسات دستورية حقيقية يكون من الممكن أن يتم مستقبلا طرح مشروع الدستور على الشعب الليبي للاستفتاء عليه سواء بالقبول أو الرفض أو حتى أن يقرر الشعب رغبته في دستور جديد، فكلمة الشعب وإرادته هي الفيصل.
الهوامش :
(1)انظر: دكتور عبدالحميد متولي – (القانون الدستوري والأنظمة السياسية) – طبعة 1989 – منشأة المعارف بالإسكندرية.
(المبحث الثاني – أساليب نهاية الدساتير – من ص74 – 86).
دكتور حسن مصطفى البحري – (القانون الدستوري – النظرية العامة). – طبعة 2009.- (الفصل الرابع –أساليب نهاية الدساتير- من (ص225– 246 )
(2) د/ عبدالحميد متولي- مرجع سابق – ص74
(3) نفس المرجع (ص 74 – 77).
(4)د/حسن مصطفى البحري – مرجع سابق (ص232).
(5) نفس المرجع – (ص235).
(6) د-عبدالحميد متولي- مرجع سابق (ص84).
(7) د- حسن مصطفى البحري – مرجع سابق (ص239)
(8) د- عبدالحميد متولي – ( ص85 – ص86) ، د-حسن البحري – (ص242- ص243 ) ، (ص244- ص246)
(9)د- صلاح الدين فوزي – (المحيط في النظم السياسية والقانون الدستوري) – دار النهضة العربية- 1999- 2000. (الفصل الثاني في انهاء الدستور –
المطلب الثاني – الأسلوب غير العادي “الثوري” لإنهاء الدستور). – (ص617).
(10) طعن دستوري رقم 1/ 12ق. – م.م.ع. السنة السادسة الأعداد(1،2،3) – ابريل 1970. ( ص37- 46).
