سالم كشلاف عضو الهيئة التأسيسية

دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في العملية الدستورية: بين مقتضيات الولاية الأممية واحترام السيادة الوطنية

يمثل المسار الدستوري أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة؛ باعتباره الإطار القانوني المنظم للسلطات العامة والضامن للحقوق والحريات. وقد شهدت ليبيا، منذ عام 2011، سلسلة من التحولات السياسية والمؤسسية التي جعلت من إنجاز دستور دائم أولوية وطنية لإنهاء المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار السياسي. وفي هذا السياق، اضطلعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدور بارز في مرافقة العملية السياسية الليبية، وتقديم الدعم الفني والسياسي للأطراف الوطنية، بما في ذلك ما يتعلق بالمسار الدستوري.

​ورغم تعدد المبادرات الأممية الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الفاعلين السياسيين الليبيين، فإن الدور الذي تمارسه البعثة فيما يتعلق بالعملية الدستورية يثير العديد من التساؤلات القانونية المتعلقة بطبيعة التزاماتها، وحدود ولايتها، ومدى توافق تدخلاتها مع مبدأ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ووضع دستورها بإرادتها الحرة.

​وتنبع أهمية هذا البحث من ارتباطه بإحدى القضايا الجوهرية في المرحلة الانتقالية الليبية، وهي تحديد الأساس القانوني لدور بعثة الأمم المتحدة في دعم المسار الدستوري، والتمييز بين الدعم المشروع الذي يدخل ضمن اختصاصاتها، وبين أي ممارسة قد تُفهم على أنها تجاوز أو مساس بالاختصاص الأصيل للشعب الليبي في تقرير خياراته الدستورية.

​أولاً: الإطار القانوني لولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

​شهدت الأمم المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، تطوراً ملحوظاً في وسائلها لإدارة الأزمات الدولية والداخلية؛ فلم يعد نشاطها يقتصر على عمليات حفظ السلام التقليدية، بل توسع ليشمل إنشاء بعثات سياسية خاصة تضطلع بمهام الوساطة السياسية، وتقديم الدعم الفني والمؤسسي، وتعزيز سيادة القانون، ومساندة عمليات الانتقال السياسي وبناء الدولة. وقد جاء هذا التطور استجابة للتحولات التي شهدها النظام الدولي، حيث أصبحت النزاعات الداخلية وانهيار مؤسسات الدولة يمثلان التحدي الأكبر أمام حفظ السلم والأمن الدوليين.

​وفي هذا السياق، أنشأ مجلس الأمن بموجب القرار رقم (2009) لسنة 2011 بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بعد قيام ثورة السابع عشر من فبراير وما صاحبها من أحداث، وأسند إليها مهمة مساعدة السلطات الليبية في إدارة المرحلة الانتقالية، ودعم بناء المؤسسات، وتعزيز حقوق الإنسان، والمصالحة الوطنية، والمساعدة في إعداد الدستور والانتخابات. ولم تُنشأ البعثة بوصفها عملية لحفظ السلام، ولم تُمنح ولاية تنفيذية أو عسكرية، وإنما جاءت باعتبارها بعثة سياسية خاصة تعمل من خلال تقديم الدعم الفني والاستشاري والوساطة السياسية.

​إلا أن تطور الدور الذي اضطلعت به البعثة خلال السنوات اللاحقة أثار نقاشاً قانونياً حول حدود ولايتها، ولا سيما بعد انخراطها في إدارة الحوارات السياسية، ورعاية الاتفاقات بين الأطراف الليبية، والمشاركة في رسم بعض ترتيبات المرحلة الانتقالية.

​ويمكننا في هذا الصدد أن نقول إن البعثات السياسية الخاصة لا تعد من الأجهزة الأصلية للأمم المتحدة المنصوص عليها في المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، كما لا يرد بشأنها تنظيم صريح ضمن نصوص الميثاق. ومع ذلك، فقد استقر العمل داخل المنظمة الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي على إنشاء هذا النوع من البعثات باعتباره أحد الأدوات التنفيذية التي يعتمدها مجلس الأمن والأمين العام للمساهمة في منع النزاعات وإدارتها وتسويتها، وبناء السلام بعد انتهاء الصراعات.

​ويستند الأساس القانوني لإنشاء هذه البعثات إلى السلطة الضمنية المخولة للأمم المتحدة في إنشاء الأجهزة الفرعية اللازمة لممارسة اختصاصاتها؛ وفقاً للمادة (29) من الميثاق التي تجيز لمجلس الأمن إنشاء ما يرى ضرورة لإنشائه من أجهزة فرعية لأداء وظائفه، فضلاً عن المادة (98) التي تخول الأمين العام أداء المهام التي يكلفه بها مجلس الأمن. ومن ثمّ، فإن البعثات السياسية الخاصة لا تستمد وجودها من نص مستقل في الميثاق، وإنما من قرارات مجلس الأمن أو الجمعية العامة، ومن السلطات التنظيمية المقررة للأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة، استناداً لنظرية السلطات الضمنية (Implied Powers Theory).

​ومفاد هذه النظرية أن المنظمة الدولية لا تقتصر على السلطات المنصوص عليها صراحة في ميثاقها، وإنما تتمتع أيضاً بالسلطات التي تُعد ضرورية ولازمة لممارسة اختصاصاتها وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، حتى لو لم ينص عليها الميثاق بشكل مباشر.

​وقد ظهرت هذه النظرية لأن واضعي ميثاق الأمم المتحدة لم يستطيعوا توقع جميع المهام التي ستواجه المنظمة مستقبلاً، ولذلك لم يحصروا وسائل عملها على ما ورد صراحة في نصوص الميثاق. ومن ثم، فإن المنظمة تستطيع استنباط سلطات إضافية إذا كانت هذه السلطات ضرورية لتنفيذ الاختصاصات الممنوحة لها.

​ويعد أشهر تطبيق لهذه النظرية ما جاء في الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية سنة 1949 في قضية “التعويض عن الأضرار التي لحقت بالأمم المتحدة أثناء تأدية مهامها”، حيث قررت المحكمة أن الأمم المتحدة تتمتع، بالإضافة إلى السلطات المنصوص عليها صراحة في الميثاق، بسلطات ضمنية تستفاد من أهدافها ووظائفها، طالما كانت ضرورية لممارسة تلك الوظائف بفعالية. ويعد هذا الرأي الأساس القضائي لنظرية السلطات الضمنية في القانون الدولي.

​وقد توسع استخدام الأمم المتحدة لهذا النوع من البعثات بصورة ملحوظة خلال العقود الأخيرة، فأنشئت بعثات سياسية خاصة في العراق، واليمن، وأفغانستان، والصومال، وليبيا، مع اختلاف نطاق اختصاص كل بعثة وفقاً لقرار إنشائها وطبيعة النزاع القائم في الدولة المعنية. ومن ثمّ، فإن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تنتمي من الناحية القانونية إلى فئة البعثات السياسية الخاصة، وهو ما يترتب عليه آثار قانونية مهمة تتعلق بحدود ولايتها، وطبيعة اختصاصاتها، ووسائل ممارستها لمهامها.

​ثانياً: الطبيعة القانونية والسياسية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

​يثير تحديد الطبيعة القانونية للبعثة الأممية أهمية خاصة؛ لأن هذا التحديد ينعكس مباشرة على حدود اختصاصها ومدى مشروعية تدخلها في الشأن الداخلي للدولة الليبية. فمن الناحية القانونية، لا تتمتع البعثة بالشخصية القانونية المستقلة عن الأمم المتحدة، وإنما تعد جهازاً فرعياً تابعاً لها، يمارس اختصاصاته في حدود التفويض الممنوح له بموجب قرارات مجلس الأمن.

​كما أن البعثة ليست سلطة عامة داخل الدولة الليبية، ولا تشكل جزءاً من النظام الدستوري الوطني، ولا تملك إصدار قرارات ملزمة للسلطات الليبية أو للأفراد؛ إذ تظل جميع سلطاتها مستمدة من قبول الدولة الليبية ومن التفويض المحدد في قرارات مجلس الأمن. ويترتب على ذلك أن أعمال البعثة تخضع لمبدأ الاختصاص المقيد، فلا يجوز لها تجاوز المهام المحددة في قرار إنشائها، أو الحلول محل السلطات الوطنية في ممارسة اختصاصاتها الدستورية. ويعد هذا القيد من أهم الضمانات التي تحافظ على التوازن بين دور الأمم المتحدة في دعم الدول الأعضاء وبين احترام مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

​فعلى الرغم من أن البعثة أنشئت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي لمساندة الدولة الليبية في المرحلة الانتقالية، إلا أن تطور أدوارها خلال السنوات اللاحقة أظهر اتساعاً ملحوظاً في وظائفها السياسية، الأمر الذي جعلها تمارس دوراً يتجاوز في بعض الأحيان حدود الدعم الفني والاستشاري إلى التأثير المباشر في إدارة العملية السياسية.

​وتستمد البعثة أساسها القانوني من قرارات مجلس الأمن الصادرة استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، والتي حددت اختصاصاتها في:

​تقديم المساعي الحميدة ودعم الحوار الوطني.

​المساعدة في بناء مؤسسات الدولة.

​تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون.

​تقديم الدعم الفني في المجالات الانتخابية والدستورية.

​وبذلك، فإن البعثة ليست سلطة وطنية، ولا تملك أي اختصاص تشريعي أو تنفيذي داخل الدولة الليبية، وإنما تمارس مهامها في إطار التفويض الممنوح لها من مجلس الأمن، وبالتنسيق مع السلطات الوطنية.

​إلا أن الطبيعة السياسية للبعثة برزت بصورة أكبر مع تعاقب الأزمات الليبية، حيث أصبحت وسيطاً رئيسياً بين الأطراف السياسية، وقادت العديد من جولات الحوار التي أسفرت عن اتفاقات سياسية مختلفة، كما لعبت دوراً محورياً في تشكيل عدد من الأجسام التنفيذية الانتقالية ورعاية التفاهمات بين المؤسسات المتنازعة. وقد أدى هذا الدور إلى بروز انتقادات قانونية وسياسية مفادها أن البعثة تجاوزت في بعض الحالات نطاق الدعم إلى التأثير في صناعة القرار السياسي الوطني.

​فمن منظور القانون الدولي، لا تملك بعثات الأمم المتحدة الخاصة شخصية قانونية مستقلة عن المنظمة الدولية، وإنما تمثل أحد أجهزتها الميدانية، وتظل مقيدة بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية المنصوص عليه في المادة الثانية من الميثاق. كما أن أي صلاحيات تمارسها البعثة يجب أن تستند إلى نصوص واضحة في قرارات مجلس الأمن، ولا يجوز التوسع في تفسيرها بما يؤدي إلى الحلول محل المؤسسات الوطنية المختصة.

​وفيما يتعلق بالمسار الدستوري، فإن اختصاص البعثة يقتصر على تقديم الدعم الفني وتيسير الحوار بين الأطراف الليبية، دون أن تمتلك أي ولاية قانونية تخولها تعديل مشروع الدستور، أو إعادة صياغته، أو فرض ترتيبات دستورية جديدة. فالاختصاص الأصيل في إعداد مشروع الدستور قد أسنده المشرع الليبي إلى الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور المنتخبة من الشعب، كما أن اعتماد المشروع أو رفضه يظل من اختصاص الشعب الليبي عبر الاستفتاء، وهو ما يجعل أي دور للبعثة في هذا المجال دوراً مساعداً لا بديلاً عن الإرادة الوطنية.

​ومن الأهمية بمكان تبيان أن الالتزام الملقى على عاتق البعثة الأممية في تعاملها مع المسار الدستوري الليبي هو التزام ببذل عناية وليس التزاماً بتحقيق نتيجة، ويترتب على هذا التكييف القانوني آثار بالغة الأهمية يمكن إجمالها في الآتي:

(1) ​انعدام السلطة التقريرية: وهو ما يعني حصر مهام البعثة في توفير البيئة السياسية الملائمة، وتقديم الاستشارات القانونية والفنية، وتسهيل اللقاءات بين الأطراف الليبية. ولا تملك البعثة، تبعاً لذلك وبموجب هذا الالتزام، أي سلطة قانونية لفرض أو اقتراح نصوص دستورية، أو صياغة وعرض أي مقترحات أو مشاريع تتعلق بالعملية الدستورية.

(2) ​عدم جواز الحلول محل المؤسسات الوطنية: فلا يجوز للبعثة الأممية –تحت ذريعة الانسداد السياسي أو تعثر التوافق– أن تحل محل الهيئات الوطنية صاحبة الاختصاص الأصيل؛ فالبعثة وسيط وميسر، وإذا عجزت الأطراف عن التوافق فإن دور البعثة يقف عند حدود إعلان هذا العجز أو تقديم مقترحات غير ملزمة، دون أن يمتد ذلك إلى إنشاء مسارات موازية تصادر إرادة الليبيين.

(3) ​خضوع أعمال البعثة لمبدأ الملكية الوطنية: وهو المبدأ المستقر في أدبيات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذاتها، والذي يؤكد على أن العملية السياسية والدستورية يجب أن تكون بقيادة وملكية الليبيين وحدهم؛ وبالتالي فإن أي مخرج دستوري لا يحظى بـ (الملكية الوطنية) الخالصة من خلال القنوات المعتمدة يعد عملاً فاقداً للمشروعية القانونية والدستورية.

​ومن ثمّ، ومن خلال ما تقدم، يمكن القول إن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تجمع بين طبيعة قانونية تستند إلى قرارات مجلس الأمن، وطبيعة سياسية فرضتها الظروف الاستثنائية التي مرت بها ليبيا. غير أن اتساع الدور السياسي لا يؤدي قانوناً إلى إنشاء اختصاصات جديدة للبعثة خارج حدود التفويض الممنوح لها؛ إذ تبقى السيادة الوطنية والإرادة الشعبية هما الأساس الذي يجب أن يحكم أي عملية سياسية أو دستورية داخل الدولة الليبية، بينما يظل دور البعثة مقتصراً على الدعم والتيسير دون الحلول محل المؤسسات الوطنية.

​ثالثاً: حدود ولاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بشأن العملية الدستورية وأثرها على مبدأ السيادة الوطنية

​شكّل المسار الدستوري أحد أهم محاور عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا منذ إنشائها؛ باعتبار أن وجود قاعدة دستورية مستقرة يمثل المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية وإقامة مؤسسات دائمة للدولة. وقد سعت البعثة، في إطار ولايتها، إلى تشجيع الحوار بين مختلف الأطراف الليبية، وتقريب وجهات النظر بشأن القضايا الدستورية والانتخابية، وتقديم الدعم الفني والاستشاري للمؤسسات الوطنية ذات العلاقة.

​غير أن تقييم هذا الدور يقتضي التمييز بين الدعم المشروع الذي يدخل في نطاق التفويض الأممي، وبين التدخل الذي قد يؤدي إلى التأثير في الاختصاصات الحصرية للمؤسسات الوطنية. فمن الناحية القانونية، لا يخول أي قرار من قرارات مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة سلطة وضع دستور للدولة الليبية، أو تعديله، أو استبدال الإرادة الشعبية بإرادة دولية، وإنما يقتصر دورها على تهيئة الظروف الملائمة للحوار وتقديم المشورة الفنية متى طُلب منها ذلك.

​وقد أثارت بعض المبادرات التي طرحتها البعثة خلال السنوات الماضية نقاشاً قانونياً واسعاً، خاصة عندما تضمنت مقترحات تتعلق بإيجاد بدائل للمسار الدستوري، أو تقديم صيغ انتقالية قد يُفهم منها تجاوز مشروع الدستور المنجز من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور. ويرى جانب من الفقه أن مثل هذه المبادرات، وإن كانت تهدف إلى معالجة حالة الانسداد السياسي، ينبغي ألا تؤدي إلى إهدار العمل الدستوري الذي أنجزته هيئة منتخبة من الشعب الليبي؛ لأن ذلك قد يمس بمبدأ المشروعية الدستورية وبالأساس الديمقراطي الذي قامت عليه الهيئة.

​ذلك أن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن فيما يتعلق بدور البعثة الأممية في ليبيا تؤسس في الواقع لـ (ولاية إجرائية تسييرية) وليست (ولاية موضوعية أو سيادية)؛ فالبعثة أنشئت لتقديم الدعم والمساعدة بناءً على طلب الدولة الليبية، مما يعني أن وجودها وولايتها يدوران وجوداً وعدماً مع مبدأ احترام السيادة الوطنية للدولة العضو في الأمم المتحدة.

​غير أن الواقع العملي للأزمة الليبية شهد تداخلاً كبيراً بين الجهد السياسي الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة (UNSMIL) وبين المسار الدستوري الشرعي، وقد نتج عن هذا التداخل لجوء البعثة في محطات عدة إلى رعاية لجان سياسية لإنتاج (قواعد دستورية) أو (أطر تشريعية مؤقتة) لإدارة المراحل الانتقالية، الأمر الذي أثار التساؤلات حول شرعية هذه المسارات وموقف القانون الدستوري منها.

​فعلى الرغم من أن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالحالة الليبية تؤكد بشكل دائم على مبدأ ملكية القيادة الليبية للعملية السياسية والدستورية، إلا أن سلوك البعثة الأممية شابه نوع من (الانحراف الإجرائي) في بعض المحطات فيما يتعلق بالمسار الدستوري، عبر إنشاء قنوات بديلة تتولى الخوض في شأن العملية الدستورية مثل: (ملتقى الحوار السياسي LPDF، أو اللجان البرلمانية المصغرة، أو اللجان الاستشارية، أو ما عُرف بالحوار المهيكل). وتتبلور إشكالية هذا السلوك في نقطتين أساسيتين:

​النقطة الأولى: افتقاد التفويض الدستوري للجان البديلة

 حيث تعد اللجان والملتقيات السياسية التي تجمعها البعثة الأممية، سواء بالتعيين أو الانتخاب الجزئي من مجالس قائمة، لجانا ذات طبيعة (سياسية تسييرية) وليست هيئات تأسيسية. وبالتالي، لا تملك هذه الأجسام من الناحية القانونية أية ولاية لإنشاء وثيقة دستورية أو تعديل إعلانات دستورية قائمة بهدف الانحراف بالعملية الدستورية عن مسارها المحدد.

​النقطة الثانية: مصادرة حق الاستفتاء الشعبي

حيث يقضي المسار الدستوري المكتمل الأركان بعرض مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور عام 2017 على الشعب الليبي عبر استفتاء عام حر ومباشر. وإن قيام البعثة بالتركيز على صياغة قوانين انتخابية مؤقتة أو أطر دستورية هجينة بعيدة عن مشروع الدستور المنجز يمثل التفافاً يُقصد به مصادرة حق الشعب الأصيل والسيادي في قول كلمته الفاصلة عبر صناديق الاقتراع، وخروجاً عن الاختصاصات الموكلة لها بموجب قرارات مجلس الأمن، ومخالفة صارخة للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة.

​ولا يفوتنا هنا التذكير بأن التمييز بين العملية الدستورية والعملية السياسية يعد من المسائل الجوهرية في تقييم دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؛ فعلى الرغم من وجود ترابط بين المسارين، إلا أن لكل منهما طبيعة قانونية مختلفة وأهدافاً مميزة. فبينما تتعلق العملية الدستورية بممارسة الشعب لسلطته التأسيسية الأصلية من خلال وضع الدستور واعتماده، تتعلق العملية السياسية بإدارة السلطة العامة في المرحلة الانتقالية وتنظيم التنافس السياسي بين الفاعلين والمؤسسات المختلفة.

​ويترتب على هذا التمييز أن العملية الدستورية لا تُختزل في مجرد توافق سياسي بين النخب، وإنما ترتبط بإرادة الشعب باعتباره صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره السياسي والدستوري؛ ومن ثمّ فإن السعي لإنجاح العملية السياسية لا يغني عن استكمال العملية الدستورية، كما أن الاتفاقات السياسية لا يمكن أن تحل محل الإرادة التأسيسية للشعب أو تحل محل الدستور الدائم بوصفه المرجعية العليا للدولة.

​إن مبدأ احترام السيادة الوطنية يعتبر هو المبدأ الحاكم لأي وجود أممي داخل الدول؛ فالميثاق يؤكد أن الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، وأن تدخلها يجب أن يظل مرتبطاً بالأهداف التي أنشئت من أجلها، دون أن يتحول إلى إدارة مباشرة للشؤون الداخلية للدول. ومن ثمّ، فإن نجاح البعثة في ليبيا يقاس بمدى قدرتها على تمكين المؤسسات الوطنية من أداء وظائفها، لا باستمرار اعتماد العملية السياسية على الوساطة الدولية.

و​فيما يتعلق بالمسار الدستوري تحديداً، فإن إنجاز الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور لمشروع دستور دائم يمثل مرحلة قانونية مهمة لا يجوز تجاوزها إلا وفق الآليات التي يقررها القانون الليبي. فإرادة الشعب، المعبر عنها من خلال الاستفتاء الدستوري، هي وحدها صاحبة الكلمة النهائية في قبول المشروع أو رفضه، ولا يمكن لأي مبادرة سياسية أو دولية أن تحل محل هذا الحق الأصيل.

​وعليه، فإن الدور الأمثل لبعثة الأمم المتحدة يتمثل في دعم إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المستفتى عليه ، و ​تقديم المساعدة الفنية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، و ​تشجيع جميع الأطراف على احترام نتائج الإرادة الشعبية ، ​وذلك بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويحقق التوازن بين الدعم الدولي واحترام السيادة الوطنية، دون أن تتعدى ذلك إلى محاولة خلق مسارات بديلة تخالف اختصاصاتها وتخرج بها عن الغاية التي أنشئت لأجلها.

Scroll to Top