د. مراجع علي نوح

مراجع على نوح 23/ فبراير / 2026

بين إحاطة مجلس الأمن، ومشروع الدستور المغيب : هل سيكون الاستفتاء مخرج ليبيا من الانسداد السياس.

في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، قدّمت هانا تيتية، الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عرضاً  لتطورات المشهد الليبي، مركزة على حالة الانسداد السياسي، وتعثر المسار الانتخابي، واستمرار الانقسام المؤسسي، ومشددة على ضرورة الدفع بحوار سياسي مهيكل يتناول قضايا الحوكمة والمصالحة والاقتصاد والأمن. غير أن المتابع للشأن الدستوري في ليبيا يلحظ بوضوح أن مشروع الدستور الليبي، الذي أنجزته الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور سنة 2017، لم يحظ بذات الحضور في الإحاطة، رغم كونه وثيقة جاهزة قانونيًا للاستفتاء الشعبي ولا ينقصها من حيث المبدأ سوى الاحتكام إلى إرادة الليبيين عبر صناديق الاقتراع.

لقد عاشت ليبيا منذ 2011 مراحل انتقالية متعاقبة، اتسمت بتعدد الأجسام السياسية وتضارب الشرعيات، وكان الهدف المعلن دوماً هو الوصول إلى قاعدة دستورية مستقرة تنهي المراحل المؤقتة. وعندما أنجزت الهيئة التأسيسية مشروع الدستور بعد انتخاب أعضائها من الشعب، اعتُبر ذلك خطوة مفصلية في بناء الدولة، إذ تضمن المشروع تنظيماً متكاملاً  لشكل النظام السياسي، وتوزيع السلطات، وضمان الحقوق والحريات، وآليات الرقابة والمساءلة، إضافة إلى معالجات واضحة لقضايا الحكم المحلي ،  والموارد الطبيعية ، والعدالة الانتقالية. ومع ذلك، ظل الاستفتاء مؤجلاً  بفعل الانقسام السياسي وتنازع الاختصاصات، حتى أصبح المشروع، رغم جاهزيته، خارج دائرة الأولويات الفعلية في الخطاب الدولي.

إن التركيز الأممي في المرحلة الراهنة على الحوار المهيكل، بما يتضمنه من عناوين المصالحة والحوكمة والإصلاح الاقتصادي، يطرح تساؤلاً جوهريا:ً  أليست هذه الموضوعات نفسها جزءا ً أصيلاً  من مشروع الدستور الليبي؟ فالمصالحة الوطنية لم تترك في المشروع كشعار سياسي عابر، بل أُطّرت ضمن مبادئ العدالة الانتقالية وجبر الضرر وعدم الإفلات من العقاب، مع تأكيد وحدة الدولة وسيادتها. أما الحوكمة، فقد تجلت في النصوص المتعلقة بالفصل بين السلطات، واستقلال الأجهزة الرقابية، وخضوع الإدارة العامة لمعايير الشفافية والمساءلة. وفي الجانب الاقتصادي، نص المشروع على إدارة عادلة للثروات، وتوزيع منصف للإيرادات، وضمان التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وهو ما يعالج جذور الصراع المرتبط بالموارد. ومن ثم فإن الدعوة إلى حوار حول هذه القضايا تبدو، في نظر كثيرين، إعادة نقاش لما حسم نظريًا داخل الوثيقة الدستورية، بدل الانتقال إلى مرحلة الإقرار الشعبي لها.

ولا يمكن إغفال مسألة انقسام القضاء التي باتت أحد أخطر مظاهر التشظي المؤسسي في البلاد، حيث أفرز الواقع السياسي ازدواجاً في بعض الهياكل القضائية وتبايناً  في الاعتراف بالأحكام والاختصاصات بين الشرق والغرب، الأمر الذي يهدد مبدأ وحدة السلطة القضائية ويضعف الثقة في سيادة القانون. هذا الانقسام لا يقتصر أثره على المجال القانوني فحسب، بل ينعكس مباشرة على المسار السياسي، إذ إن أي عملية انتخابية أو استفتاء دستوري تحتاج إلى مرجعية قضائية موحدة للفصل في الطعون ، والنزاعات. ومشروع الدستور الليبي عالج هذه المسألة عبر التأكيد على استقلال القضاء ووحدته ومنع إنشاء محاكم استثنائية،  أو موازية، واضعاً إطاراً  واضحا ً يضمن عدم تسييس العدالة. ومن هنا فإن معالجة الانقسام القضائي قد تجد في الدستور المقترح أساساً قانونياً  جامعاً  بدل أن تبقى رهينة التوازنات المؤقتة.

إن تجاهل الإشارة الصريحة إلى مشروع الدستور في الإحاطات الدولية يفسر لدى قطاع من الليبيين بوصفه إغفالاً  لجهد وطني منتخب، أو ترجيحاً  لمسار تفاوضي مفتوح قد يطيل أمد المرحلة الانتقالية. فالحوار المهيكل، مهما كانت أهميته في تقريب وجهات النظر، يظل أداة سياسية، بينما الدستور يمثل عقداً  اجتماعياً  دائمًا يُفترض أن يُحسم عبر الإرادة الشعبية المباشرة. وإذا كانت البعثة الأممية تسعى إلى بناء توافق واسع قبل أي استحقاق، فإن السؤال يبقى مطروحاً  حول مدى جدوى تأجيل الاستفتاء على وثيقة جاهزة تتضمن في صلبها مبادئ المصالحة،  والحوكمة،  والإصلاح الاقتصادي التي يُراد الحوار حولها.

إن المعضلة الليبية اليوم لا تكمن فقط في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لتفعيلها. فالدستور المقترح يوفر إطاراً  قانونيًا متكاملاً  يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لتوحيد المؤسسات، بما في ذلك القضاء، وإنهاء ازدواجية السلطة، ووضع حد لتكرار المراحل الانتقالية. أما استمرار الاعتماد على ترتيبات مؤقتة،  وحوارات مفتوحة بلا سقف زمني واضح، فقد يعمّق الإحباط الشعبي ويغذي الشكوك حول جدية الوصول إلى دولة مستقرة ذات شرعية دستورية واضحة.

من هنا، فإن أي مقاربة دولية للوضع في ليبيا ينبغي أن توازن بين دعم الحوار كآلية لخفض التوتر، وبين احترام المسار الدستوري المنجز وعدم تجاوزه. فالاستفتاء على مشروع الدستور لا يعني إقصاء الحوار، بل يمكن أن يكون تتويجاً  له، وتحويلاً  للنقاشات النظرية إلى التزام قانوني ملزم للجميع. وفي ظل انقسام القضاء، وتعدد السلطات، وتدهور الثقة العامة، قد يكون الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء هو الخطوة الأوضح لإعادة بناء الشرعية على أسس ثابتة، بدل البقاء في دائرة المبادرات المتجددة التي لا تنتهي.

Scroll to Top