عمر النعاس 11/ فبراير / 2026
القضاء في ليبيا...! إلى أين..؟
بتاريخ 28 يناير 2026 اصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في الطعنين الدستوريين 1/ 73ق و 6/ 73ق أحكاما أثارت كثيرا من الجدل، وأوجدت عدة مواقف (خاصة من رجال القضاء) منها المؤيد ومنها المعارض…
أنا لن أقوم في هذه الورقة بالتعليق على هذه الأحكام حاليا أو على الأسباب التي على ضوئها صدرت هذه الأحكام، ولكن سأتناول -بِغَضّ النظر عن الحكم- موضوع مدى صحة الظهور الإعلامي لرجال القضاء والإدلاء بأرائهم في هذه الأحكام سواء من خلال الظهور على صفحات الفيس أو من خلال اصدار بيانات وهم على مكاتبهم في محاكمهم، ومدى تأثير مواقفهم تلك على “ثقة المواطن الليبي بالقضاء” ووجوب رضاه وقبوله بأي حكم قد يصدر في قضية من رجال القضاء هؤلاء الرافضين لأحكام المحكمة العليا..!
وستكون هذه الورقة مقسمة كالآتي:
أولاً – مدى صحة ظهور رجال القضاء في الإعلام وعلى الفيس:
في رأيي الخاص؛ أن للقاضي مكانته وهيبته في المجتمع، ومن الأنسب أن يكون اختلاطه بالناس محسوبا بدقة وشفافية حتى في المناسبات الاجتماعية، فكيف بظهوره بكامل هندامه في وسائل الاعلام وصفحات الفيس وهو يعلن عدم رضاه على حكم العليا وعدم قبوله به، أو أن يعلن تأييده لهذا الحكم ورضاه عنه.
ثانياً- إن الأحكام القضائية عموما يكون مخاصمتها من خلال الآلية القانونية (الطعن) سواء بطريق الاستئناف أو النقض… أو بطريق الالتماس، أما الأحكام الدستورية فهي ذات حجية مطلقة وغير قابلة للطعن وهي ملزمة لجميع المحاكم وجميع الجهات في الدولة، وبهذا تكون الأحكام التي اصدرتها الدائرة الدستورية ملزمة لكل المحاكم وبالتأكيد ملزمة لرجال القضاء قبل غيرهم…
إن إصدار البيانات من رجال القضاء هو أمر شاذ على القاعدة، فهو يمس استقلال القضاء ويهدر هيبته، وقد يهدف إلى التشهير بالحكم وربما عرقلته، رغم أن كل الاحكام الدستورية واجبة الاحترام والتنفيذ.
ثالثاً- مع يقيني التام أن الاتفاق السياسي يُلزم الأطراف الموقعة عليه فقط، وهو لا يقيّد المحكمة العليا للاستناد اليه، ولتجاوز كل الحجج والذرائع، وخاصة مفهوم المصلحة التي قد تشوب الحكم، فإنني أرى أن الحل الأنسب لتفادي تصدّع القضاء هو الآتي:
استنادا إلى حقيقة أن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا هي محكمة “دستور” وليست محكمة “قانون”،
ففي رأيي؛
1/ حتى تفرض المحكمه العليا هيبتها واحترامها على الكافة، فمن المفترض – “بل يجب” – أن تكون أحكامها قائمة على المواءمة السياسية وتغليب مصلحة الوطن فوق كل مصلحة وأن تبتعد في أحكامها عن خلق أي تنافر أو توتر في الأوضاع الحالية كونها أوضاع فرضتها المرحلة الانتقالية التي طالت مدتها وأصبحت حقبة للصراع على السلطة، وللمحكمة العليا أن تفسر النصوص الدستورية وفق ما تراه أصلح للبلاد من أجل الخروج من هذه المرحلة الانتقالية إلى مرحلة استقرار دستوري حقيقي يكون الدستور الدائم هو المرجع الذي تخضع له كل السلطات العامة في ليبيا.
2/ أن تجتمع الجمعية العمومية للمحكمة العليا وتنتخب رئيس المحكمة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء.
3/ للمحكمة العليا أن تجتمع بدوائرها المجتمعة للعدول عن أي مبدأ اصدرته أي دائرة من دوائر المحكمة، ويجوز لها أن توقف العمل بأي حكم أصدرته… وهذا ليس بدعة فقد عملت به المحكمة العليا في السابق، كما أن الوصية العمرية للصحابي أبي موسى الأشعري في رسالة القضاء الشهيرة التي أمر فيها بالعدول والرجوع إلى الحق جاء فيها: “… لا يَمنَعُنك قضاءٌ قضَيته اليَوم فَراجعتَ فيه عَقلك وهُديت فيه لِرُشدِك أنْ تَرجِعَ إلى الحَقّ فإنَّ الحقّ قَديمٌ ومُراجَعَة الحَقّ خير مِن التمادي في البَاطل… “.
وحيث أن تفسير النص الدستوري – حتى ولو جاء من جهة مختصة بالتفسير- يبقى هو عبارة عن اجتهاد انساني لا يتّصف بالكمال أو بالقدسية، فلهذا أرى أن تجتمع المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة للنظر في تفسير النصوص الواردة في الإعلان الدستوري “الذي هو أصلا مجرد اجتهاد أشخاص ليسوا منتخبين من الشعب، وأن غايته رغم ما يتضمنه من تناقضات هي تنظيم مرحلة انتقالية مؤقتة إلى حين إصدار الدستور الدائم “.
إن ما تضمنته ورقتي هذه هي مجرد محاولة لترسيخ سلطة القضاء ووحدته، وللخروج من مأزق قد ينغمس فيه القضاء ورجاله من خلال ردود أفعال متعارضة تصدر عن هيئات قضائية مختلفة، فالبلاد لن تتحمّل أزمة في السلطة القضائية إضافة إلى ما هو قائم من تشظي في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
حفظ الله ليبيا.
حفظ الله القضاء من الفتن.
