بقلم المستشار الدكتور المبروك الفاخري المستشار بالمحكمة العليا.
مبدأ الأقدمية في الجهاز القضائي
إن العمل في الجهاز القضائي عمل منضبط ومنظم يحكمه نظام الأقدمية . فالأقدمية تتدخل في طريقة دخول هيئة المحكمة إلى قاعة الجلسة بحيث يتم الدخول بالترتيب حسب الأقدمية .والجلوس على منصة المحكمة تحكمه الأقدمية حيث يتوسط الرئيس هيئة المحكمة والذي يليه في الأقدمية على يمينه ثم التالي في الأقدمية على يساره، ولعل الحكمة من ذلك هي إضفاء الهيبة والاحترام على هيئة المحكمة، وعندما يحترم أعضاء القضاء بعضهم البعض فبالتأكيد سوف يحترمهم الآخرين.
بل وتتدخل الأقدمية حتى في المداولة عندما تختلي هيئة المحكمة للنقاش والتشاور في إصدار الحكم، حيث البداية تكون برأي الأحدث ثم الذي يليه في الأقدمية ثم رأي الرئيس، والحكمة في اتباع الأقدمية بهذا الشكل هو الخشية من تأثير رأي الأقدم على ما يراه الأحدث واحتراما له وتقديرا لرأيه.
الاختصاصات والصلاحيات لرؤساء ومدراء وأعضاء الهيئات القضائية في القوانين الإجرائية محددة حسب الأقدمية فهناك من الاختصاصات ما يملكه رئيس المحكمة او رئيس النيابة على سبيل المثال لا يملكه قاضي او عضو نيابة. والسبب أن كل من مكث اكثر في الوظيفة زادت خبرته وعظمت مسؤوليته .
إن نظام الأقدمية في السلك القضائي يكاد يشبه نظام الضبط والربط العسكري فالجميع يجب أن يعرف حدوده في اطار الوظيفة التي يشغلها ، والأحدث يجب أن يحترم الأقدم ليس لشخصه فقط بل لخبرته وأقدميته عنه.
إذن الأقدمية جزء من تراثنا وثقافتنا نحن العاملون بهذا الجهاز القضائي ، وأن التخلي عنها او التهاون في اختراقها يترتب عليه اختلال العمل في منظومة العمل القضائي .
ومن حسن الحظ أن الانتقادات التي وجهت لنظام الأقدمية كمعيار للترقيات وتولي الوظائف في الأجهزة الإدارية بحيث قد يصل أشخاص غير أكفاء للوظيفة بسبب الأقدمية ، فإن هذه الانتقادات أرى أنها لا تسري على العاملين بالجهاز القضائي لأن الترقيات من درجة الى أخرى تعلوها لا يتم حسب نظام الأقدمية فقط أي بمرور عدد من السنوات في الدرجة السابقة وإنما يضاف إليها شرط آخر وهو الكفاءة، حيث يتم التفتيش دوريا وفنيا قبل إجراء الترقية بحيث يرقى من يتحصل على درجة معينة من الكفاءة، ومن يتحصل على درجة أقل يبقى في وضعه السابق أو ينقل الى وظيفة أخرى قد تكون مدنية.
ولذلك فإنه يجب أن تحترم الأقدمية في كل الشؤون القضائية ومن بينها تولي الوظائف الرئاسية في الأجهزة القضائية المختلفة بحيث يتولاها الأقدم في المحكمة أو النيابة أو غيرها من الأجهزة.
إن نظام الأقدمية في تولي الوظائف في الجهاز القضائي يجمع بين الأقدمية والكفاءة وهو بذلك معيار موضوعي يمكن من خلاله تفادي أي تأثيرات من خارج سلك القضاء في اختيار رؤساء الأجهزة القضائية.
إن كافة دساتير العالم – ومن بينها الدستور المؤقت ومشروع الدستور الدائم – تنص على استقلال السلطة القضائية ، والفصل بين السلطات ، ومن علامات استقلال القضاء هو احترام التسلسل الوظيفي والأقدمية بين العاملين في القضاء ، بحيث تكون رئاسة الأجهزة القضائية حسب الأقدمية لأنها تعني الخبرة والكفاءة والاحترام ، أما اتباع أي معيار آخر فإنه لا يستقيم واستقلال السلطة القضائية.
