بقلَم: الهادي بوحمرة 4/ يونيو / 2026
بين الفراغ والدولة ( صندوق الاستفتاء ثم الاقتراع)
مهما حاولنا أن نجتهد في مواجهة الواقع ومحاولة وضع حلول لأزماتنا المتجددة والمتراكمة والمتداخلة، فإن أفضل سبيل لمكافحة الهجرة غير الشرعية، ورفض التوطين، ومواجهة النفوذ الأجنبي والقواعد العسكرية الأجنبية، ومحاربة الفساد، يبدأ من استعادة الشرعية الشعبية الكاملة عبر الاستفتاء على مشروع الدستور ثم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ذلك أن الدولة لا تُبنى بالترتيبات المؤقتة ولا بالتفاهمات الهشة، وإنما بإرادة الشعب حين تتحول إلى عقد دستوري وسلطة منتخبة تستمد قوتها من المواطنين لا من موازين القوى العابرة.
ففلسفة الدولة الحديثة تقوم على أن السيادة لا يحميها الشعار، بل تحميها الشرعية، والدستور هو التعبير الأعلى عن الإرادة الوطنية، أما الانتخابات فهي الوسيلة التي تمنح هذه الإرادة وجها ومؤسسات وسلطة تنفيذية وتشريعية قادرة على مخاطبة العالم باسم الشعب.
وعندما تتحدث دولة بشرعية واضحة، فإن صوتها يكون أقوى من أصوات الجماعات والمصالح المتفرقة، وتصبح أكثر قدرة على الدفاع عن حدودها وقرارها الوطني وثرواتها، أما الإبقاء على المراحل الانتقالية المفتوحة، واستبدال الإرادة الشعبية بالتسويات المؤقتة، واللجان التي تؤلفها إرادة خارجية، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتوسيع مساحات الفساد والتدخل الخارجي. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى فارغا؛ إذ تملؤه القوى المتنافسة والمصالح الأجنبية ومراكز النفوذ غير الخاضعة للمساءلة.
ومتى كان الأمر كذلك، فإن الاستفتاء على مشروع الدستور ثم الانتخابات ليسا مجرد إجراءين سياسيين، بل هما لحظة استعادة للعقد الوطني وتجديد لشرعية الدولة. وما دون ذلك يبقى حلولا جزئية تدور في حلقة مفرغة، وقد يزيد تعقيد المشهد بدلا من معالجته، لأن بناء الدولة يبدأ من صندوق الاقتراع الذي يستند إلى دستور، لا من إدارة الأزمات دون نهاية،،، نعتقد أن الوقت قد حان للخروج من حالة العناد والتصلب في الرفض وقفل صناديق الاستفتاء والاقتراع والجنوح للسلم عبر التسليم بحكم الارادة الشعبية القابلة للتجديد بين حين وآخر.
