د. مراجع علي نوح

06/ ابريل/ 2026

عندما يتجرد الانسان من مسؤوليته يحاول ان يسرق ويهيمن على المؤسسة ويقوم بسلبها:

عندما يتجرد الإنسان من مسؤوليته، لا يفقد فقط موقعه الوظيفي، أو صفته الاعتبارية، بل يفقد شيئاً أعمق: ضميره المهني. وحين يحدث ذلك، تتحول المسؤولية من أمانة تصان إلى غنيمة تنهب، وتتحول المؤسسة من كيان يخدم الصالح العام إلى ساحة صراع على النفوذ والمكاسب.
إن أخطر ما في التجرد من المسؤولية ليس التقصير وحده، بل ما يتبعه من سلوكيات منحرفة؛ حيث يبدأ البعض في الاستحواذ غير المشروع على صلاحيات ليست له، ثم يتدرج الأمر إلى محاولة فرض الهيمنة، وتهميش الآخرين، وتعطيل القواعد المنظمة للعمل. وفي هذا السياق، لا يعود الهدف هو تطوير المؤسسة ، أو خدمة رسالتها، بل يصبح الهدف هو التمكين الشخصي ولو على حساب القانون والنظام.
هذا النوع من السلوك يعد في جوهره شكلاً من أشكال السرقة المعنوية ، والمؤسسية؛ إذ لا تقتصر السرقة على المال العام فقط، بل تمتد لتشمل سرقة القرار، وسرقة الجهد الجماعي، بل وحتى سرقة هوية المؤسسة نفسها. وعندما يترك هذا السلوك دون ردع، فإنه ينتج بيئة إدارية فاسدة، تكافئ الانتهازية وتعاقب النزاهة.
والمؤسسات لا تنهار فجأة، بل تبدأ في التآكل من الداخل، عندما يسمح لمن تجرد من مسؤوليته أن يستمر في موقع التأثير، أو أن يمارس دوراً يتجاوز حدوده القانونية. فغياب المحاسبة يغري بالمزيد من التعدي، ويحول الاستثناء إلى قاعدة، والانحراف إلى سلوك مألوف.
إن الحفاظ على المؤسسات يتطلب أمرين أساسيين:
أولًا: وضوح المسؤوليات ، وحدود الصلاحيات بحيث لا يختلط الحق بالادعاء.
وثانياً : تفعيل مبدأ المساءلة، لأن المسؤولية التي لا تقابل بالمحاسبة تفقد معناها.
وفي النهاية، فإن المؤسسة القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل التي تمتلك القدرة على تصحيحها، وردع من يحاول العبث بها. أما من يتجرد من مسؤوليته، ويحاول الهيمنة والسلب، فإنه لا يسيء فقط للمؤسسة، بل يكشف عن عجزه عن حمل الأمانة التي أُوكلت إليه.
د.مراجع علي نوح

Scroll to Top