بقلَم: مراجع علي نوح

الاختلاف المشروع والتناقض المرفوض في العمل الدستوري

 ما يثير الاستغراب، بل القلق، أن بعض الأصوات المعارضة داخل المشهد الدستوري لا تكتفي بتبديل مواقفها من مرحلة إلى أخرى، بل تلجأ أحياناً إلى إطلاق ادعاءات لا سند لها من الواقع، ولا من النصوص القانونية الحاكمة، في وقتٍ يُفترض فيه أن يكون الخطاب الدستوري قائما ًعلى الدقة والانضباط، والمسؤولية. ويزداد هذا القلق حين يكون مطلقو هذه الادعاءات من ذوي الاختصاص القانوني، أو السياسي، ممن يدركون تمام الإدراك حدود القانون، وآليات الاحتكام إليه، والفارق الجوهري بين الخلاف المشروع والتشكيك غير المسؤول.

فالأشد خطورة من الوقوع في الخطأ، هو تعمد مخالفة الحقيقة مع العلم بها، أو توظيف المعرفة القانونية لتضليل الرأي العام بدل تنويره، وتحويل النقاش الدستوري من حوار مؤسسي هادئ إلى سجال إعلامي محتقن، إن هذا السلوك لا يسيء إلى الهيئة فحسب، بل يسيء إلى قيمة القانون ذاته، حين يُستخدم كأداة للضغط، أو المزايدة، لا كمرجعية جامعة يحتكم إليها الجميع.

إن الاحتكام الحقيقي إلى القانون لا يكون عبر الشعارات الرنانة، ولا من خلال انتقاء النصوص خارج سياقها الدستوري، والإجرائي، ولا بتجاهل المسارات التي رسمها القانون ذاته للاعتراض، والطعن.

بل يكون الاحتكام الصادق بالالتزام الصريح بما أُقرّ داخل المؤسسة، وباحترام ما صدر عنها من قرارات، أو بممارسة حق الاعتراض عبر القنوات القانونية المعروفة، لا عبر المنابر الإعلامية، أو البيانات الانفعالية التي تفتقر إلى الدقة وتؤجج الرأي العام دون سند موضوعي.

     وليس من المقبول وطنيا ً ولا أخلاقيا ً أن يُصور الخلاف داخل الهيئة التأسيسية على أنه خرق قانوني، أو انحراف مؤسسي، في حين أن الوقائع الثابتة تشير إلى أن كثيراً من القرارات المطعون فيها قد اتُّخذت وفق الأطر الإجرائية الصحيحة، وبالأغلبية المطلوبة، وبحضور ومشاركة من يعارضونها اليوم، فمثل هذا التوصيف المجافي للحقيقة لا يعكس حرصا ً على مشروع الدستور، بل يُسهم في إرباك المشهد العام، ويُضعف ثقة المواطنين في مسار يُفترض أن يكون نموذجاً لاحترام القانون وترسيخ المشروعية.

إن الخلاف داخل المؤسسات المنتخبة ظاهرة طبيعية بل ومطلوبة، ما دام خلافا ً في الرأي والرؤية، لا في الوقائع والإجراءات، غير أن الإشكال الحقيقي يظهر حين يتحول هذا الخلاف إلى تناقض صريح في المواقف، أو إلى إنكار لما سبق إقراره، والمشاركة فيه، أو إلى محاولات لإعادة تفسير الإجراءات بأثر رجعي بما يخدم موقفاً سياسياً، أو شخصيا ًطارئا فالدستور لا يُكتب بعقلية اللحظة، ولا بمنطق تسجيل النقاط، بل بروح الاستمرارية، والمسؤولية التاريخية.

وتتضاعف المسؤولية على عاتق القانونيين داخل الهيئة التأسيسية، لأن المجتمع ينظر إليهم بوصفهم حراسا ً للنص وروح القانون معاً، لا مجرد مفسرين انتقائيين له، فالقانون لم يوجد ليستخدم كسلاح يُشهر عند الخلاف ويُغمد عند التوافق، بل ليكون مرجعاً جامعاً يحتكم إليه الجميع، وضامناً لعدالة الإجراءات قبل عدالة النتائج.

إن المرحلة الراهنة من المسار الدستوري تفرض قدراً عالياً من الانضباط الأخلاقي، والمهني، وتستدعي مراجعة جادة للمواقف والخطابات، والتمييز الواضح بين المعارضة المسؤولة التي تثري العمل المؤسسي، وبين التشكيك غير المسؤول الذي يقوّضه من الداخل، فالمعارضة الحقيقية لا تهدم المؤسسة، بل تسعى إلى تصويبها من داخل أطرها الشرعية.

وعليه، فإن الواجب الوطني يقتضي من جميع أعضاء الهيئة التأسيسية، وبالأخص من ذوي الخلفيات القانونية، والسياسية، أن يتحلوا بالصدق والوضوح والاتساق، وأن يلتزموا بما يفرضه عليهم شرف المسؤولية، وثقة الناخبين، حفاظاً على هيبة الهيئة، وصوناً لمشروع الدستور، واحتراما ًللإرادة الشعبية التي منحت هذه المؤسسة شرعيتها وأوكلت إليها مهمة لا تحتمل العبث، أو التناقض.

Scroll to Top