رزق فرج رزق 12 / فبراير / 2026
سبع سنوات تحت القبة .. ليبيا تستحق دستورها الآن !!
بقلم مدير التحرير
مجلة «الرؤية الدستورية»
ربما يكون المشهد الذي تكرر الأيام الماضية أمام مقر البعثة الأممية في طرابلس، هو أكثر ما يختزل الأزمة الليبية بكل تناقضاتها، أعضاء الحوار المهيكل، الذين يمثلون شريحة من النخبة الوطنية التي تعمل على تقريب وجهات النظر، يفاجؤون بمعاملة لا تليق بموظفين مبتدئين، ناهيك عن ممثلين لمسارات رسمية.
لا نكتب اليوم لنندد بحادثة عابرة، بل لنقول إن ما حدث ليس استثناء، بل هو انعكاس لحالة أوسع، حالة يعامل فيها الليبيون كضيوف في وطنهم، ويُنظر إلى مشروعهم الدستوري كملف من بين مئات الملفات، لا كأولوية وجودية.
قبل أيام، وقف رئيس الهيئة التأسيسية على منصة «حكومتنا» ليوجه كلمة لم تكن موجزة، بل كانت صرخة: (الدستور حق لكم)، سبع سنوات مرت على إنجاز مشروع 29 يوليو 2017، الذي ظل حبيس الأدراج والجدل السياسي وصراعات الإرادات، مشروع ناقش، وحور، وعدل، وجمع توافقات واسعة، لكنه لم يُعرض بعد على صاحب الكلمة الوحيدة التي تلزم الجميع: الشعب.
هذه الدعوة لم تأت من فراغ، لقد سبقها ذلك التجمع الوطني الجامع في الثاني من فبراير، حيث اجتمع المشايخ والحكماء والشخصيات الاجتماعية تحت شعار (ليبيا تجمعنا)، ليؤكدوا ما نكرره في كل المناسبات: أن الدستور ليس مشروع حكومة، ولا فكرة نخبة، بل هو العقد الاجتماعي الجامع الذي تتوقف عليه شرعية المؤسسات واستقرار البلاد.
ثم جاءت ندوة الجميل، السبت الماضي، لتحوّل النقاش من سؤال (هل نستفتي؟) إلى سؤال (كيف ننفذ؟)، هناك، بين أهالي المدن الليبية وممثلي الهيئة التأسيسية والمجلس الأعلى للدولة، خرج المجتمعون بتأكيد واضح: الاستفتاء ممكن ومتاح، وليس حلماً نظرياً.
ما يربط هذه المشاهد الثلاثة — تجمع طرابلس، وندوة الجميل، وحادثة البعثة — خيط واحد رفيع لكنه متين: الدستور كمرآة تعكس حقيقة الدولة، كلما تقدمنا خطوة نحو إقراره، ظهرت فجأة عقبات إجرائية، أو إشكاليات شكلية، أو سلوكيات تقلل من شأن الفاعلين الوطنيين، ليس لأن الاستفتاء صعب تقنياً، بل لأن هناك من يخشى أن يسلبهم الدستور امتيازات الواقع الهش، ويمنح الشرعية لمن يستحقها وحده: المواطن.
في مشهد مقر البعثة، قال أحد أعضاء الحوار المهيكل لزملائه وهو يغادر الاحتجاج: (لو كان لدينا دستور، لما جرى التعامل معنا بهذا الشكل)، ربما كانت العبارة عفوية، لكنها تحمل قدراً كبيراً من الصدق، فالدستور ليس فقط وثيقة قانونية، بل هو عنوان الكرامة الوطنية، حين تغيب هذه الوثيقة، تغيب معها القواعد، ويصبح كل شيء خاضعاً للمزاج الشخصي والتقدير اللحظي.
نحن في (الرؤية الدستورية) لا نكتب انحيازاً إلى جهة ضد أخرى، ولا ننحاز إلى مشروع 2017 بصفته نصاً مقدساً، بل ننحاز إلى فكرة أن الشعب الليبي ناضج بما يكفي ليقرر، نعم، هناك تفاصيل عالقة، وخلافات سياسية عميقة، وتوجس مشروع من آليات التنفيذ، لكن أياً من هذه التحديات لا يبرر بقاء الدستور سبع سنوات في انتظار معجزة سياسية لن تأتي.
الخلاصة أن ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مبادرة دولية جديدة، ولا خريطة طريق معقدة، ما تحتاجه هو إرادة سياسية تضع الصندوق في مركز المشهد، وتثق في أن المواطن، حين يُسأل عن مستقبل وطنه، يكون عند حسن الظن.
وأخيراً، نقول للبعثة الدولية التي تعتذر عن تصرفات مسيئة : نعم، نقبل الاعتذار.. لكن الأهم من الاعتذار هو أن يدرك الجميع أن التعامل مع الليبيين، بمؤسساتهم ونخبهم وشعبهم، يجب أن ينطلق من احترام السيادة الوطنية وكرامة الإنسان، وهذا لن يكتمل إلا حين نضع دستورنا بأيدينا، ونقول للعالم: هذه هي قواعدنا، وهذا هو عقدنا الاجتماعي، وهذه هي إرادتنا.
الطريق ما زال طويلاً، لكن بوصلتنا واضحة.. الدستور أولاً، لأنه الطريق الوحيد الذي لا يضيع.
