بقلَم: رزق فرج رزق - مشرف الموقع

عندما يتحرر الدستور من الأدراج : الشعب يصبح صاحب الكلمة الأخيرة

       في اللحظة التي يتحرر فيها الدستور المُقترح من أدراج مجلس النواب ومن أروقة النقاشات البرلمانية المغلقة، ليُطرح على مواطنيه بسؤال بسيط في صيغته وعميق في مدلولاته: “نعم” أم “لا”، ننتقل إلى مرحلة مصيرية مختلفة، ليست مرحلة التشريع ولا مرحلة الجدل، بل مرحلة الفصل، عندها يتحول موعد الاستفتاء من مجرد تاريخ في التقويم إلى محطة تاريخية تُختبر فيها فكرة العقد الاجتماعي نفسه، ويصبح صندوق الاقتراع الفيصل الوحيد الذي يعترف به جميع الفرقاء، أو يفترض أن يعترفوا.
      هنا، تترك التفاصيل القانونية والمواد الدستورية مكانها لسؤال وجودي وجماعي: ما الذي نريده لمستقبلنا المشترك؟ الصندوق، بكل بساطته المادية، يتحمل ثقل هذا السؤال، هو الحلبة التي يلتقي فيها المواطن الفرد بإرادته الخاصة مع جموع الشعب بإرادتهم العامة، وهو المترجم الذي يحول الأصوات المتفرقة إلى قرار واحد ملزم، في ظل الانقسامات السياسية والاجتماعية، لا يوجد حكم أكثر عدلاً من هذا الصندوق، إذا ما جرى بتكامل شروطه من نزاهة وحرية وشفافية.
      ماذا لو وصلنا إلى الاستفتاء؟ معناه أن الخلاف قد تجاوز مساحات الحوار الضيق، وأن القرار النهائي قد أُسند إلى صاحب الشأن الأول والأخير  (الشعب).. (النعم) في هذا السياق ليست مجرد موافقة على نصوص، بل هي تفويض وعهد على مسار جديد.. أما (اللا)، فليست مجرد رفض، بل هي إعلان عن عدم ثقة بالمسار المطروح، وربما صرخة تُطالب بمراجعة جذرية أو بتقديم بديل مختلف، في كلا الجوابين، هناك رسالة واضحة من الحاكمين إلى المحكومين.
      لكن ثمة مسؤولية جسيمة تلي لحظة الإعلان عن النتيجة.. فقبول “الخاسرين” بإرادة الصندوق هو ما يحول العملية الديمقراطية من مجرد استفتاء إلى بناء مؤسسي حقيقي، شرعية الدستور الجديد، أو شرعية البقاء على الإعلان الدستور ومرحلة انتقالية، ستُستمد من نزاهة هذه اللحظة وقبول الجميع بحكمها.. عندها فقط، يصبح الدستور – أياً كان مصيره – وثيقة حية تعبر عن إرادة آنية وتظل قابلة للحوار والتطوير في المستقبل، لأن الإرادة الشعبية ليست لحظة جامدة، بل هي حوار متجدد.
      لذا، فإن تحرير الدستور من الأدراج ووضعه في يد الناخب هو أكثر من إجراء تقني؛ إنه تجديد للعهد بين الدولة ومواطنيها.. إنه الاعتراف بأن السلطة العليا مستمدة من إرادة الناس، وأن الكلمة الأخيرة، في النزاعات الكبرى، ليست للنخب ولا للأحزاب ولا حتى للنصوص القديمة، بل لتلك الأوراق التي تُسقط بهدوء في الصندوق، لتقول كلمتها في صمت، فتكون هي الضجة التي تُعيد ترتيب البلد.
Scroll to Top