د. إبراهيم البابا 01 / 02 / 2026
لا مشاحة في الاصطلاح: الإدارة المحلية والحكم المحلي
في لقاءٍ أُجري مع أحد النشطاء عبر بودكاست مؤخراً، طرح تمييز حاد بين مفهومي الإدارة المحلية والحكم المحلي، ووُصف مشروع الدستور الليبي على أساس هذا التمييز بأنه يقوم على “الإدارة محلية” لا “الحكم محلي”. وإزاء هذا الطرح، يقتضي وضع المسألة في إطارها الفقهي والدستوري الصحيح.
فمن زاوية فقهية، يدخل هذا الخلاف في باب الاصطلاح لا في باب الحقيقة، إذ تقرر القاعدة الأصولية أن “لا مشاحة في الاصطلاح إذا اتحد المقصود”. فالأدبيات الإدارية والدستورية لا تعرف ضابطاً واحداً جامعاً لهذه المصطلحات، وتختلف دلالاتها باختلاف السياقات والتجارب الوطنية، بينما تبقى العبرة بالمضمون لا بالتسمية.
والسؤال الجوهري ليس: هل تم التنصيص على الإدارة المحلية أم الحكم المحلي؟ بل: هل أقرّت مجالس منتخبة؟ هل مُنحت الوحدات المحلية شخصية اعتبارية واستقلالاً إداريًا ومالياً؟ هل نُقلت صلاحيات حقيقية من المركز؟ وهل أُخضع العمل المحلي لرقابة لاحقة لا وصاية مسبقة؟
ففي النظام الفرنسي مثلاً، يُستعمل تقليدياً مصطلح الإدارة المحلية (Local Administration)، وتُسمّى الهيئات المحلية مجالس المناطق والمحافظات والمجالس البلدية، ومع ذلك فإن جميع أعضائها يُختارون بالانتخاب المباشر ويتمتعون بصلاحيات فعلية واستقلال إداري ومالي داخل دولة موحدة لا مركزية. وفي المقابل، يستخدم النظام الإنكليزي مصطلح الحكم المحلي (Local Government)، ورغم ذلك فقد عُرف تاريخياً وجود فئة Aldermen (الحكماء)، وهم أعضاء في المجالس المحلية يُعيَّنون من قبل المجلس المحلي نفسه لا بالانتخاب المباشر، واستمر هذا النظام إلى غاية إصلاح سنة 1974.
وعليه، فإن الخلاف بين “الإدارة المحلية” و“الحكم المحلي” هو في جوهره خلاف اصطلاحي، أما الميزان الصحيح فهو مقدار ما ينقله الدستور من سلطة حقيقية إلى المحليات، وأن تقييم مشروع الدستور الليبي أو أي نموذج دستوري يجب أن ينصرف إلى محتواه الحقيقي وآلياته العملية، لا إلى الجدل اللفظي حول المصطلحات.
