د مجدي الشارف الشبعاني

د مجدي الشارف الشبعاني

حماية المال العام والعدالة المجالية في مشروع الدستور الليبي: قراءة تحليلية في نصوص ومآلات

      يُعدُّ مشروع الدستور الليبي الصادر عن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بتاريخ 29 يوليو 2017 أهم محاولة لبناء أساس دستوري للدولة الليبية بعد 2011، على الرغم من تعثّر مسار الاستفتاء وتعدد المبادرات السياسية البديلة. وقد احتوى هذا المشروع على بُنى دستورية متعددة، بعضها أثار نقاشًا واسعًا، بينما تضمّن جملة من الأحكام المتقدمة التي تستحق التحليل، لكونها تشكل نواة لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن أبرز هذه الأحكام النص الوارد في المادة (169) المتعلق بحماية المال العام وعدم سقوط جرائم الفساد بالتقادم (1)، وكذلك المواد (63) و(176) الخاصة بالعدالة المجالية والتنمية المتوازنة بين الأقاليم (3)(4). ويعكس هذان المحوران توجهًا دستوريًا يسعى إلى حماية الموارد من جهة، وضمان توزيع عادل لثمارها من جهة أخرى.

فنص المادة (169) يُعد من بين أكثر النصوص تقدّمًا في مشروع الدستور (1)، إذ قرّر صراحة أن: “المال العام حرمة لا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة بحمايته، ولا تسقط الجرائم المتعلقة به بالتقادم، ولا يجوز العفو عنها.”

      ويمثل هذا النص اختيارًا دستوريًا غير شائع في الأنظمة المقارنة، حيث يعامل الاعتداء على المال العام معاملة الجرائم الجسيمة التي تمسّ أسس الدولة، ويغلق أحد أكثر منافذ الإفلات من العقاب شيوعًا، وهو تقادم الدعوى أو شمولها بالعفو. ويترتب على هذا الحكم أن مكافحة الفساد تتحول من “خيار تشريعي” إلى “التزام دستوري”، ملزم للسلطات كافة ومحصّن ضد أي تغيير سياسي. إلا أن هذا الحكم، رغم أهميته، لا يخلو من ملاحظات؛ منها أن المشروع لم يضع تعريفًا دستوريًا لجرائم المال العام، وتركه لقانون العقوبات، ما يتيح للمشرّع تضييق نطاق التجريم في مرحلة لاحقة دون مخالفة شكلية للدستور. كما أن النص ركّز على الجانب الجنائي دون ربطه بمنظومة شفافية وحوكمة مالية واضحة، رغم أن مكافحة الفساد لا تتحقق بالعقوبة وحدها دون أدوات مؤسسية فعالة مثل استقلال هيئات الرقابة وديوان المحاسبة والنيابة العامة (2).

أما فيما يتعلق بالعدالة المجالية، فقد تضمّن المشروع مجموعة من النصوص المهمة. فنص المادة (63) على أن “الدولة تلتزم بتحقيق التنمية المكانية المتوازنة، ومعالجة الفوارق بين المناطق، وتوزيع المشروعات والخدمات على نحو عادل.” (3)

كما نصت المادة (176) المتعلقة بإدارة الثروة على أن:

“تراعى في توزيع عوائد الثروات معايير التنمية المتوازنة والاحتياجات الخاصة للمناطق الأقل نموًا.” (4)

ويُعرّف مفهوم “العدالة المجالية” في الأدبيات القانونية والتخطيطية بأنه: “العدالة التي تراعي البعد الجغرافي في توزيع الموارد والخدمات والبنية التحتية، بقصد إزالة الفوارق بين المجالات الترابية وتحقيق تكافؤ الفرص بين السكان.” وقد استُخدم المصطلح في دساتير المغرب، وفي الفقه الدستوري التونسي، وفي بحوث ليبية متخصصة، مما يجعله مصطلحًا دقيقًا من الناحية العلمية وذا دلالة في السياق الوطني.

وهذه النصوص تجسّد تطورًا مهمًا في الفكر الدستوري الليبي، إذ تنتقل من مفهوم “العدالة الاجتماعية” إلى “العدالة المجالية”، وهو مصطلح صحيح ومتداول أكاديميًا في الأدبيات المغاربية ويعبّر عن التوزيع الجغرافي العادل للثروة والمشروعات . ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة في ليبيا نظرًا للتفاوت التنموي التاريخي بين الشرق والغرب والجنوب وبين الساحل والداخل، وهو تفاوت كان أحد دوافع المطالبات الفيدرالية أو الجهوية.

       وتكمن أهمية هذه الأحكام في أنها، لو نُفِّذت، ستجعل قوانين الموازنة والسياسات العامة خاضعة للرقابة من زاوية احترام التوزيع الجغرافي العادل للمشروعات، وهو تطور جوهري في دولة مركزية كالتي عرفتها ليبيا لعقود. غير أن هذه النصوص تعاني بدورها من عمومية الصياغة، إذ لم تُحدد معايير كمية أو نسبية لقياس العدالة المجالية، كما لم تُربط بآليات اللامركزية المالية والإدارية المقررة في باب الحكم المحلي. ويحد ذلك من إمكانية تفعيلها، خاصة في غياب محكمة دستورية نشطة أو منظومة رقابية مستقلة. وقد تناولت تقارير قانونية نقدية هذا الخلل وأشارت إلى الحاجة إلى مراجعة أوسع لهذه النصوص (5).

       ويُعدّ الجمع بين المادتين (169) و(63، 176) خطوة متقدمة نحو بناء نموذج دستوري قائم على النزاهة من جهة، وعلى التوزيع العادل للثروة والتنمية من جهة أخرى. فمكافحة الفساد دون عدالة مجالية قد تتحول إلى مجرد تشدد عقابي لا يحقق التنمية، كما أن العدالة المجالية دون حماية صارمة للمال العام قد تتحول إلى شعارات سياسية فارغة. ولهذا، فإن التكامل بين النصّين يفتح المجال أمام قضاء دستوري قادر على فحص الموازنات العامة والسياسات المالية وفق معايير دستورية واضحة.

       وتنسجم هذه النصوص مع اتجاهات دستورية حديثة ظهرت في دساتير المغرب (2011) وتونس (2014)، التي تبنّت مفهوم العدالة المجالية وربطت التنمية بالجهوية الموسعة، إضافة إلى ما ورد في دستور جنوب إفريقيا الذي رسّخ مبدأ عدم تقادم الجرائم ذات الخطورة البالغة. وتدل هذه المقارنات على أن مشروع الدستور الليبي حاول مُحاكاة التطورات الدستورية المعاصرة مع الاحتفاظ بخصوصية الحالة الوطنية.

         وتظلّ القيمة العملية للنصوص المذكورة مرهونة بتفعيل الرقابة الدستورية. فالمحكمة الدستورية – المنصوص عليها في باب القضاء (المواد 119–126) – هي الجهة المؤهلة لمراجعة قوانين الموازنة والإنفاق العام ومدى انسجامها مع مبدأ العدالة المجالية. كما أنها الجهة القادرة على مراقبة أي تشريع يُفرِّغ نص المادة (169) من محتواه. ومن ثَم، فإن غياب تفعيل المحكمة الدستورية في سياق سياسي منقسم يُضعف القدرة التنفيذية لهذه النصوص ويحوّلها إلى ضمانات نظرية غير مُنجزة.”

       كما يُلاحظ أن مشروع الدستور لم يربط بصورة مباشرة بين العدالة المجالية وبين قواعد المالية العامة المنصوص عليها في المواد (171–175)، وهي مواد تتعلق بإعداد الموازنة وضبط الإنفاق والرقابة عليها. وكان من الضروري أن تُدمَج العدالة المجالية ضمن “مبادئ المالية الدستورية” لضمان أن لا تكون توزيع المشروعات مسألة تقديرية للحكومات المتعاقبة، بل التزامًا ماليًا محكومًا بالنصوص الدستورية.

      وتجدر الإشارة إلى أنّ مشروع الدستور اعتمد نظامًا سياسيًا مختلطًا ذي نزعة رئاسية واضحة، يمنح رئيس الدولة صلاحيات واسعة في تعيين الحكومة وإدارة السياسة التنفيذية (المواد 103–113). وهذا السياق المؤسسي يؤثر بصورة مباشرة في فعالية النصوص المتعلقة بحماية المال العام والعدالة المجالية، إذ تتوقف جدِّيّتها على وجود سلطة تنفيذية خاضعة للرقابة وليست متفردة بالقرار.

       إلا أن الأحكام المتعلقة بحماية المال العام والعدالة المجالية تظل من أفضل ما ورد في مسودة 2017، ويمكن أن تمثل أرضية توافقية لأي عملية دستورية مقبلة، سواء اعتمد المشروع كما هو أو بعد تعديله أو استُخدم إطارًا لصياغة جديدة. ومن ثم، فإن مشروع الدستور—على الرغم من توقف مساره—يمثل مخزونًا دستوريًا قابلًا للتطوير ويشكل مرجعًا لا يمكن تجاهله عند بناء دستور دائم يعالج مشكلات الفساد والتهميش ويؤسس لدولة القانون.

       رغم أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن إعادة النقاش من نقطة الصفر تُطيل أمد المرحلة الانتقالية ولا تُنتج مسارًا دستوريًا مستقرًا. ومن ثَم، فإن الخيار الأكثر واقعية وملاءمة في هذه المرحلة هو الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الاستفتاء على مشروع الدستور القائم، باعتباره الصيغة الوحيدة المكتملة التي خضعت لإجراءات تشكيلية صحيحة وصادرة عن هيئة منتخبة. ويُتيح هذا الاستفتاء — بنعم أو لا — حسم الجدل الدستوري بطريقة ديمقراطية، ويمنح الشعب سلطة تقرير مصير الوثيقة الدستورية: إما اعتمادها كخطوة أولى نحو بناء مؤسسات دائمة، أو رفض بعض موادها وإعادتها للهيئة للنظر فيها ضمن الحدود التي يجيزها القانون الدستوري والقضاء الإداري. وتوصي هذه الدراسة بضرورة الحفاظ على النصوص المتقدمة المتعلقة بحماية المال العام والعدالة المجالية، وعدم المساس بجوهرها عند الانتقال إلى مرحلة الاستفتاء، لما تمثله من ضمانات جوهرية لبناء دولة القانون ومعالجة جذور الفساد والتهميش في ليبيا.

       وما يعزّز الحاجة الملحّة للذهاب إلى الاستفتاء الدستوري أنّ الواقع الليبي يشهد اليوم اختلالًا بيّنًا في توزيع مشروعات الإعمار والتنمية، حيث تُوجَّه الموارد بصورة غير متوازنة وتخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات النفوذ السياسي والولاءات المحلية أكثر من خضوعها لأسس التخطيط والجدوى. وقد أدّت هذه الاختلالات، إلى جانب استشراء الفساد المالي والإداري في مستويات متعددة من مؤسسات الدولة، إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والسلطة، وإلى تعطيل أي إمكانية لبناء سياسة تنموية وطنية موحّدة. وفي ظل هذا المشهد، تبرز النصوص الدستورية المتعلقة بحماية المال العام والعدالة المجالية بوصفها ضمانات تأسيسية لا غنى عنها لضبط الإنفاق العام، وتوجيه الإعمار وفق معايير موضوعية، وإعادة الاعتبار لمبدأ الشفافية والمساءلة. ومن ثم فإنّ اعتماد مشروع الدستور عبر الاستفتاء الشعبي ليس خيارًا قانونيًا فحسب، بل هو ضرورة عملية لإغلاق دائرة العبث السياسي وتنظيم المجال المالي والتنـموي ضمن إطار دستوري ملزم لا يترك مجالًا للاستثناءات والتحايلات التي تغذّي الفساد وتعمّق التفاوت بين المناطق.

      وتتأكد خطورة هذا المسار حين نطالع ما يورده ديوان المحاسبة في تقاريره السنوية من ملاحظات صريحة حول مخالفات مالية جسيمة، وتجاوزات في العقود والإنفاق، وتعطّل للمشروعات الحيوية، وسوء إدارة للموارد العامة عبر مختلف القطاعات. كما تعزز البيانات الدورية الصادرة عن مكتب النائب العام هذه الصورة، إذ تكشف عن ملفات فساد متشعبة، تشمل الاعتداء على المال العام، وإساءة استعمال السلطة، والتلاعب بالمستندات، والاستيلاء على مخصّصات مالية موجهة للتنمية أو الإعمار. وتدل هذه الوقائع المتكررة على وجود فراغ تنظيمي ودستوري يسمح باستمرار الانحرافات المالية والإدارية دون رادع بنيوي واضح، ويؤكد أن غياب إطار دستوري نافذ يحدّ من قدرة أجهزة الرقابة والنيابة العامة على فرض سيادة القانون بصورة فعّالة. ومن ثم، فإن الاستفتاء على الدستور واعتماد منظومة مؤسسية واضحة ــ تشمل حماية المال العام، والرقابة الدستورية، والعدالة المجالية ــ يُمثل ضرورة وطنية عاجلة لضبط المجال المالي ومنع استنزاف موارد الدولة عبر ممارسات تتكرر سنويًا في التقارير الرقابية والقضائية.

______________

الهوامش

  1. مشروع الدستور الليبي 2017، المادة 169 (حماية المال العام).
  2. Zaid Al-Ali, Analysis of Libya’s Final Draft Constitution, ConstitutionNet, 2017.
  3. مشروع الدستور الليبي 2017، المادة 63 (التنمية المكانية المتوازنة).
  4. مشروع الدستور الليبي 2017، المادة 176 (توزيع عوائد الثروات).
  5. Lawyers for Justice in Libya, Report on the 2017 Constitutional Draft, 2017.
Scroll to Top